آداب تلاوة القرآن الكريم: دليل عملي

Published 19 Jul 2026 • قراءة 7 دقيقة

لا يُقرأ القرآن كما يُقرأ أيّ كتاب. ولأنّ المسلمين يؤمنون بأنه كلام الله حقيقةً، فإنّ لتلاوته آداباً خاصّة، باطنةً وظاهرةً، تُعرف في العربية بـآداب التلاوة. ومراعاتها تحوّل القراءة من عادة آليّة إلى عبادة حيّة. يجمع هذا الدليل آدابَ تلاوة القرآن الراسخة، المستمدّة من القرآن نفسه ومن هدي النبي محمد ﷺ.

فضل تلاوة القرآن

معرفة ثواب التلاوة تُكسِب آدابها معنى. قال النبي ﷺ إنّ الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكرام البَرَرة، وإنّ الذي يقرؤه ويتتعتع فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران (البخاري ومسلم). وقال إنّ من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها (الترمذي). وشبّه المؤمنَ الذي يقرأ القرآن بالأترجّة: طعمها طيّبٌ وريحها طيّب (البخاري ومسلم). فهذه الوعود هي التي تجعل المؤمن يُقبِل على التلاوة بعنايةٍ لا بعجلة.

ابدأ بالإخلاص والنية

كل عبادة تبدأ في القلب. وتلاوة القرآن ينبغي أن تكون خالصةً لوجه الله — للتقرّب إليه، والاهتداء به، ونيل ثوابه — لا طلباً للمدح على حُسن الصوت أو كثرة الورد. علّم النبي ﷺ أنّ الأعمال بالنيّات، فيُسكِّن القارئ قلبه أولاً ويوجّهه إلى الله. فالإخلاص هو الذي يحوّل الحروف على الصفحة إلى عبادة.

تطهّر واختر مكاناً نظيفاً

يُستحبّ أن تقرأ على طهارة، وأمّا مسّ المصحف فيرى جمهور العلماء وجوب الطهارة له، استناداً إلى قوله تعالى: "لا يمسّه إلا المطهّرون" (القرآن 56:79). اختر مكاناً نظيفاً هادئاً، واجلس بأدب — وكثيرون يقرؤون مستقبلين القبلة — ومن السنّة تطييب الفم، كأن يكون بالسواك، فالفمُ مجرى كلام الله. والبدنُ الساكن يعين على القلب الساكن.

استعذ ثم ابدأ بالبسملة

قبل القراءة يستعيذ القارئ بالله من الشيطان، كما أمر سبحانه: "فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم" (القرآن 16:98). فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم يفتتح بـبسم الله الرحمن الرحيم في أول كل سورة — إلا سورة التوبة، فقد جرى العمل على البدء بها من غير بسملة.

اقرأ بتأنٍّ وإتقان: الترتيل والتجويد

يقول الله تعالى: "ورتّل القرآن ترتيلاً" (القرآن 73:4). وهذا الأسلوب المتمهّل المتقن يُسمّى الترتيل، ومعناه إعطاء كل حرف حقّه — من مخرجه الصحيح ومقدار مدّه — وهو علم التجويد. ووصفت عائشة قراءة النبي بأنها مفسّرة بيّنة، ونُقل أنه كان يقرأ حرفاً حرفاً لا يستعجل. أمّا ابتلاع الحروف أو الإسراع للفراغ من القراءة فمخالفٌ لهذا الأمر القرآني الصريح. وإن كنت لا تزال تتعلّم فاقرأ متمهّلاً بعناية؛ فالقليل المتقَن خيرٌ من الكثير المُهمَل.

حسّن صوتك — في حدوده

قال النبي ﷺ: "زيّنوا القرآن بأصواتكم" (رواه أبو داود والنسائي). فالصوت الصادق الحسن يجذب القلب إلى الكلمات وينفع السامعين. وليس معنى ذلك جعل التلاوة عرضاً، ولا مطّ الكلمات ولَيّها لتوافق لحناً؛ فالمعنى وأحكام التجويد مقدَّمان دائماً. والقراءة جهراً تعين على الحضور، لكن في الأماكن المشتركة يُخفَض الصوت لئلّا يُشوَّش على مصلٍّ أو قارئ.

تدبّر المعنى

المقصود من التلاوة تحريك القلب لا اللسان وحده. يقول الله: "أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (القرآن 47:24)، ويصف القرآن بأنه "كتابٌ أنزلناه إليك مبارك ليدّبّروا آياته" (القرآن 38:29). وكان النبي ﷺ في قيام الليل يقف عند آية الرحمة فيسأل، وعند آية الوعيد فيستعيذ. وقراءةُ مقطعٍ يسيرٍ بفهمٍ وحضور قلبٍ خيرٌ بكثير من المرور على صفحاتٍ كثيرة بغفلة.

استجب لسجدات التلاوة

في القرآن مواضع سجود (سجود التلاوة). فإذا بلغ القارئ أو المستمع إحدى هذه الآيات، فمن السنّة المؤكّدة أن يسجد سجدةً واحدة — يكبّر، ويسبّح في سجوده، ثم يرفع. وهذا الفعل اليسير تعبيرٌ عن التواضع بين يدي الله في اللحظة التي يدعو إليها كلامه، وغالباً ما تُعلَّم هذه المواضع بوضوح في المصاحف المطبوعة.

آداب مع الآخرين ومع المصحف

يُعامَل المصحف المطبوع بعناية: يُوضَع على موضعٍ نظيفٍ مرتفع لا على الأرض، ولا يُدخَل به الأماكن غير الطاهرة، ويُحمَل باحترام. وإذا كان بالقرب مصلٍّ أو قارئ فاخفض صوتك. وإذا قُرئ القرآن جهراً فيُستحبّ لمن حضر أن ينصت: "وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم تُرحمون" (القرآن 7:204).

داوم واحفظ ما تقرأ

حثّ النبي ﷺ على المداومة على القراءة، وحذّر من إهمال القرآن بعد تعلّمه، وشبّه المحفوظ من الآيات بالإبل المعقّلة تنفلت إن لم تُتعاهَد. والوردُ اليسير الدائم أحبّ إلى الله من الاندفاع الشديد تتبعه فتراتٌ طويلة من الانقطاع. وكثيرٌ من المسلمين يختمون القرآن في مدّة يحدّدونها، ويدعون عند الختم دعاءً من القلب.

قائمة موجزة قبل أن تقرأ

  • جدّد نيّتك أن تقرأ لله وحده.
  • توضّأ، خاصّةً إن كنت ستمسك المصحف.
  • اختر مكاناً نظيفاً هادئاً واجلس بأدب.
  • قل الاستعاذة ثم البسملة.
  • اقرأ متمهّلاً بالترتيل، مطبّقاً التجويد قدر استطاعتك.
  • قف للتدبّر، واسجد عند آيات السجدة.
  • اخفض صوتك بحضرة الآخرين، واختم بدعاءٍ صادق.

أسئلة شائعة

هل يشترط الوضوء لقراءة القرآن؟

القراءة عن ظهر قلبٍ لا تشترط الوضوء وإن كان مستحبّاً. أمّا مسّ المصحف المطبوع فيرى جمهور العلماء وجوب الوضوء له، استناداً إلى الآية 56:79. وأمّا القراءة من شاشةٍ كتطبيقِ الهاتف فلا تأخذ عادةً حكم مسّ المصحف المطبوع.

هل تقرأ المرأة في أثناء الحيض؟

هذه مسألةٌ فيها خلافٌ معتبر. فكثيرٌ من العلماء المتقدّمين يرون أنّ الحائض لا تقرأ آياتٍ من المصحف، مع إباحتهم الذكرَ والدعاء و— عند عددٍ منهم — القراءةَ عن ظهر قلبٍ للتحصّن أو التعليم. ولأنه خلافٌ معتبر، فالأولى الرجوع إلى عالمٍ موثوقٍ في بلدك.

هل هناك وقتٌ أفضل للقراءة؟

القراءة مرغّبٌ فيها في كل وقت، لكن وقت السحر وما بعد الفجر مخصوصٌ بمزيد فضل؛ "إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً" (القرآن 17:78). وليوم الجمعة وليالي رمضان فضلٌ خاصّ كذلك.